مقالات

موجة النَّهضة الاقتصادية في أفغانستان

أحمد طلحه
كانت أفغانستان زمناً طويلاً تلاحق قافلة التنمية بخطوات متعثرة، ينهكها صخب الحروب وتقلبات الاقتصاد. أما اليوم، فهي تقف على عتبة مرحلة جديدة، تتكشّف ملامحها من خلال وعي أبناء الوطن بثرواتهم، وحسن إدارتها، والإيمان بأن الطريق إلى النهوض يبدأ من الداخل. المؤشرات الاقتصادية الحديثة تشي بأن البلاد بدأت تتحرك بثقة نحو مستقبل مختلف، يقوم على مشاريع عملاقة، وقطاع إنتاجي يتسع، واستقرار مالي يرتكز على الانضباط والوعي.

في قلب هذا التحول، ينبض مشروع قناة قوشتيبه، ذلك الشريان المائي الذي يمتد في الأرض ليوقظ خصوبتها، وليفتح أبواب عصر زراعي جديد. فقد قطع المشروع شوطاً كبيراً في مرحلته الثانية، فإذا اكتمل، سيسقي آلاف الهكتارات العطشى، ويعيد الحياة إلى سهول طال انتظارها. ليست قوشتيبه قناة ماء فحسب، بل وعدٌ بالاكتفاء الذاتي، وضمانٌ لرغيف آمن لا يخضع لرحمة الخارج.

وفي موازاة ذلك، يبدأ وجه الريف الأفغاني بالتغير؛ فالأرض التي كانت خجولة ومحافظة على شحّ عطائها، صارت اليوم حقولاً ومزارع تنبض بالإنتاج. ومع ارتفاع دخل الأسر، استعادت القرى نبضها الاقتصادي، وعادت الحياة تدب في الأسواق والبيوت. وقد أسهم تحسين جودة المحاصيل وتنظيم عملية التسويق في رفع قيمة الزراعة ومردودها.

أما الصناعة، فقد بدأت هي الأخرى تنفض الغبار عن إمكاناتها. مصانع جديدة تُفتح، وأخرى تستعد للانطلاق، فتوفّر فرص عمل لشباب البلاد، وتدفع بعجلة الإنتاج المحلي إلى الأمام، وتخفف من وطأة الاعتماد على الواردات.

وفي ميدان المال، يبرز إنجاز لا يقل أهمية: استقرار قيمة العملة الأفغانية. ففي عالم تهتز فيه العملات أمام العواصف الاقتصادية، استطاعت العملة الأفغانية أن تحافظ على توازنٍ ملحوظ، في رسالة تحمل الكثير: إن الثقة بالسوق قائمة، وإن الإدارة المالية تسير بوعي وإحكام.

هذا كله لم يأتِ مصادفةً أو من فراغ. فخبراء الاقتصاد يربطون هذه الإنجازات بإدارة أكثر انضباطاً للحكومة الحالية، وتراجع ملحوظ في مستويات الفساد الإداري، ومراقبة صارمة لمصاريف المشاريع وإيرادات الدولة، مع تقديم الإنتاج المحلي على الاستيراد. إنها خطوات فتحت للاقتصاد نافذة يتنفس منها الأمل.

ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة: العقوبات الدولية، نقص الاستثمارات، وقلة الخبرات التقنية. غير أنّ الأهم من وجود التحديات هو وجود الاتجاه الصحيح. لقد وُضعت الخطوة الأولى في الطريق، ورُسمت معالم المسار. فالاقتصاد لا يولد من المصادفة، بل من الاستقرار، والاستدامة، وحسن القيادة وهذه العلامات بدأت اليوم تتشكّل بوضوح في أفغانستان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى