مقالات

أفغانستان؛ انتقالٌ من صورة التهديد المصطنع إلى الفرصة الإقليمية الواقعية

أحمد طلحه
على مدى الأعوام الأخيرة، سعت بعض القوى الإقليمية والدولية إلى تقديم أفغانستان بوصفها مصدر تهديد محتمل، في محاولة لفرض رواية تخدم أجنداتها السياسية والاستراتيجية. غير أنّ التطورات الميدانية، وطبيعة التفاعل الإقليمي، والضرورات الاقتصادية المتنامية، تكشف جميعها عن تراجع هذا الخطاب وفقدانه لفاعليته، إذ باتت الصورة الحقيقية تُظهر أفغانستان لاعبًا محوريًا وفرصةً استراتيجية في قلب المنطقة.

لقد غيّرت دول آسيا الوسطى—من أوزبكستان وتركمانستان إلى كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان—نظرتها تجاه أفغانستان بشكل واضح. فهذه الدول باتت ترى في استقرار أفغانستان شرطًا أساسيًا لاستقرارها الداخلي وتنميتها الاقتصادية. وهذا التحول تجلّى في انتقال سياستها من الحذر والابتعاد إلى الانخراط الفاعل والتواصل المباشر، إدراكًا منها بأن موقع أفغانستان يشكّل جسرًا مهمًا لخطوط التجارة والطاقة والربط الإقليمي.

وكانت جلسات “منتدى الدوحة” الأخيرة إحدى أبرز المحطات التي ظهرت فيها ملامح هذا التحول؛ حيث تبنّى ممثلو دول آسيا الوسطى مواقف بنّاءة تجاه التعامل مع كابول، ورفضوا الروايات السلبية التي رُوِّجت طويلاً حول أفغانستان. كما عكست الزيارات المتتالية لوفود سياسية واقتصادية من هذه الدول إلى كابول رغبة حقيقية في فتح صفحة جديدة تقوم على التعاون والمصالح المشتركة، وتؤكد أنّ أفغانستان باتت جزءًا من الحلول وليست جزءًا من المشكلات.

وتلعب الحقائق الاقتصادية دورًا حاسمًا في تشكيل هذا الوعي الجديد. فأفغانستان تقع على واحد من أهم الممرات الحيوية في المنطقة، وتشكل بوابة اتصال طبيعية نحو قلب آسيا. مشاريع كـ”خط الغاز تابي”، وسكة الحديد “تركمانستان–أفغانستان–أوزبكستان”، والممر التجاري “الصين–آسيا الوسطى–أفغانستان”، إلى جانب بدائل ممر اللاجورد، كلها تمنح المنطقة مصلحة مباشرة في التعاون مع كابول. وقد أظهرت التجارب أن سياسات عزل أفغانستان لم تنتج سوى المزيد من التعقيدات، بينما وفّر التعاون فرصًا حقيقية للاستقرار والازدهار.

إنّ تنامي التفاعل الإقليمي أثبت أن الروايات التي تصوّر أفغانستان بوصفها تهديدًا لم تعد تنسجم مع الوقائع السياسية والاقتصادية الراهنة. فالمصالح المشتركة، والحاجة إلى الربط الإقليمي، والسعي نحو بيئة مستقرة للتجارة والطاقة، كلها عوامل تدفع نحو شراكة أوسع وأكثر رسوخًا.

وفي المحصلة، تبرز أفغانستان اليوم كفرصة استراتيجية للمنطقة—فرصة لفتح مسارات جديدة للتجارة، وتوسيع شبكات النقل والطاقة، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني. أما تلك الجهود الرامية إلى إدامة صورة التهديد، فقد أصبحت بعيدة عن الوقائع ومتعارضة مع اتجاهات التفاعل الإقليمي الجديد. فالمؤشرات القائمة تؤكد أن لأفغانستان القدرة على لعب دور بنّاء في صياغة مستقبل المنطقة، إذا ما استُثمرت هذه اللحظة السياسية بصورة صحيحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى