السادس من جدي؛ من ذاكرة الغزو إلى مسؤولية البناء

أحمد طلحة
لا يمرّ السادس من جدّي في الوجدان الأفغاني كذكرى عابرة، بل يظل علامةً فارقة في تاريخ بلدٍ دفع ثمناً باهظاً نتيجة الغزو والاحتلال والتدخل الخارجي. ففي هذا اليوم استُبيحت الأرض، ودُمّرت القرى والمدن، وسالت دماء آلاف الأبرياء، وبدأت مرحلة طويلة من الألم والمعاناة لشعب لم يتخلَّ يوماً عن حقه في الحرية والاستقلال.
غير أن استحضار هذه الذكرى اليوم يجب ألا يكون اجتراراً للحزن فقط، بل وقفة وعي ومسؤولية. فبعد ستة وأربعين عاماً على بداية الغزو السوفيتي السابق، يقف أفغانستان أمام واقع مختلف؛ واقع طُويت فيه صفحة الحرب، وترسّخ فيه الأمن العام، وعادت فيه سلطة الدولة المركزية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات.
لقد أثبتت التجربة أن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع بالتضحيات، لكنه في الوقت نفسه قد يُفقد إن لم يُصن بالحكم الرشيد، والعدالة، وسيادة القانون، والتنمية الاقتصادية المتوازنة. والاستقرار الذي تشهده البلاد اليوم يضع على عاتق الجميع مسؤولية تاريخية تتمثل في تحويل هذا الاستقرار إلى نهضة حقيقية يشعر بثمارها المواطن في حياته اليومية.
يمتلك أفغانستان كل مقومات النهوض: شعب شاب وفاعل، موارد طبيعية واعدة، وموقع جغرافي يؤهله ليكون حلقة وصل اقتصادية في المنطقة. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى واقع ما لم تُدار بعقلية مهنية تقوم على الشفافية، وتشجيع الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي، وتحديث الزراعة، وتحسين إدارة المياه، وتطوير شبكات النقل والتجارة.
وفي المقابل، يعلّمنا السادس من جدّي درساً لا يقل أهمية: أن الانقسام الداخلي، والارتهان للخارج، وتغليب المصالح الضيقة، كانت دائماً بوابة للخسارة والدمار. لذلك، فإن الوحدة الوطنية، والحوار، والاحتكام إلى المصلحة العامة، تبقى الضمانة الحقيقية لحماية البلاد من تكرار مآسي الماضي.
إن دماء الشهداء التي سالت دفاعاً عن هذا الوطن ليست مجرد ذكرى، بل أمانة في أعناق الحاضر والمستقبل. وأداء هذه الأمانة لا يكون بالشعارات، بل ببناء دولة آمنة، عادلة، ومزدهرة، تتسع لجميع أبنائها دون إقصاء.
في السادس من جدّي، لا ننظر إلى الوراء من أجل البكاء على الأطلال، بل من أجل أن نُحسن قراءة التاريخ، ونحافظ على استقرار اليوم، ونمضي بثبات نحو غدٍ يكون فيه أفغانستان سيد قراره، قوي اقتصاده، ومصان كرامة شعبه.



