مقالات

سياسة إغلاق المعابر وخسائر اقتصادية متصاعدة في باكستان

أحمد طلحة

تُواصل باكستان، منذ نحو شهر، إغلاق جميع المعابر الحدودية على خط ديورند ووقف حركة العبور والتجارة مع أفغانستان بشكل كامل. هذا القرار، الذي قدّمته إسلام آباد في إطار مساعٍ أمنية، بات يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه انعكاساً واضحاً لسياسة طويلة الأمد اتّسمت بالاضطراب وسوء التقدير، وأفضت إلى ضغوط متزايدة على الاقتصاد المحلي والصناعة والمجتمع والعلاقات الإقليمية لباكستان. وتشير المعطيات إلى أن الأزمة الحالية ليست نتاج خطوة أفغانية، بقدر ما هي نتيجة مباشرة لخيارات سياسية باكستانية غير محسوبة.

على مدى سنوات، دأبت باكستان على توظيف التجارة وحركة الترانزيت كأدوات ضغط سياسي. فإغلاق المعابر أمام أفغانستان، وتحويل طرق العبور إلى ورقة مساومة، وإخضاع الاقتصاد لمتطلبات السياسة؛ جميعها ممارسات تُعبّر عن تصور خاطئ بأن التحكم في المعابر يمنح إسلام آباد نفوذاً إقليمياً. غير أن التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى انعكاس هذه المقاربة على الداخل الباكستاني نفسه، حيث أدّت إلى اختلالات واسعة في السوق وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع ثقة الشركاء التجاريين.

ووفق متابعات ميدانية وشهادات من التجار والمستهلكين، شهدت أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً لافتاً خلال الأسابيع الأخيرة، ولا سيما الخضروات والفواكه الطازجة والمجففة التي يعتمد السوق الباكستاني في جزء كبير منها على وارداتها من أفغانستان. هذا الارتفاع السريع في الأسعار فاقم الأعباء المعيشية للأسر، وكشف محدودية قدرة الحكومة على التعامل مع تداعيات الإغلاق. كما ارتفعت أسعار الفحم الأفغاني، ما أثّر سلباً في قطاع الطاقة والصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والأسمنت، وأدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع وتيرة العمل في عدد من المصانع.

ولم تقتصر تداعيات الإغلاق على السوق الداخلية، إذ تضرر قطاع الصادرات الباكستاني أيضاً، بعد تعطل شحنات مخصّصة لإعادة التصدير كانت تعتمد على المسار البري عبر أفغانستان. وقد أدى هذا التعطّل إلى تأخير وصول البضائع وإلى خسائر مباشرة للمصدّرين، فضلاً عن الإضرار بسمعة باكستان التجارية. وأفادت تقارير بأن دولاً عدة بدأت بالبحث عن طرق بديلة، الأمر الذي قد يُحدث تأثيرات طويلة المدى على شبكة التجارة الإقليمية لباكستان.

وفي الداخل، أثار الإغلاق موجة من الانتقادات من جانب التجّار والصناعيين والاتحادات الاقتصادية، الذين عبّروا عن مخاوفهم من استمرار ربط التجارة بالملفات السياسية. وبحسب تصريحات مسؤولين في غرف التجارة، فإن تكرار إغلاق الحدود بات “عبئاً مضاعفاً” على الاقتصاد الوطني، وليس مجرد أداة ضغط على دولة مجاورة.

كما أدّى هذا النهج إلى تآكل الثقة الإقليمية بباكستان، إذ ترى دول المنطقة أن إسلام آباد تلجأ إلى الاقتصاد كوسيلة ضغط سياسي، وهو ما يعمّق عزلتها التجارية ويقوّض فرص بناء شراكات طويلة الأمد.

وفي الخلاصة، يبدو أن قرار إغلاق خط ديورند لا يرتبط بأي تحرك أفغاني مباشر، بل يجسّد نتائج سياسة غير فعّالة افتقرت إلى المنطق الاقتصادي والحساسية الإقليمية وإلى تقدير تأثيرها على حياة المواطنين. ومع استمرار الأزمة، تتزايد المخاوف من أن تكون باكستان قد وضعت اقتصادها ومكانتها الإقليمية على المحكّ بسبب خيارات سياسية قصيرة النظر لا تحمل مردوداً واضحاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى