أفغانستان والسكك الحديدية: من هامش الجغرافيا إلى قلب الربط الإقليمي

أحمد طلحه
رغم مرور أكثر من قرن على دخول فكرة السكك الحديدية إلى أفغانستان، ما يزال هذا القطاع متأخراً مقارنة بجوارها الإقليمي، ليس بسبب غياب الأهمية، بل نتيجة الحروب الطويلة، وضعف التخطيط، وارتفاع كلفة التنفيذ في بيئة جغرافية معقدة. ومع ذلك، تعود السكك الحديدية اليوم إلى الواجهة بوصفها أداة استراتيجية قادرة على إعادة تعريف موقع أفغانستان الاقتصادي.
تتمتع أفغانستان بموقع فريد يربط آسيا الوسطى بجنوبها وإيران، وهو موقع ظلّ معطلاً لعقود. غير أن الخطط المعلنة لمدّ شبكة تمتد لآلاف الكيلومترات حتى عام 2030، وإن كانت طموحة، تعكس تحوّلاً في النظرة إلى النقل الثقيل باعتباره أساساً للتنمية لا مشروعاً ثانوياً. الممرات الأربعة المقترحة—الشمالي، الغربي، الشرقي، والمركزي—لا تخدم الداخل الأفغاني فحسب، بل تضع البلاد ضمن خرائط التجارة الإقليمية.
الاهتمام الإيراني والصيني بالربط عبر أفغانستان يعكس متغيرات أوسع، أبرزها البحث عن مسارات أقصر وأقل كلفة في ظل العقوبات والضغوط الجيوسياسية. فالصين، بوصفها قوة صناعية كبرى، وإيران، باعتبارها مورداً رئيسياً للطاقة، تحتاجان إلى بدائل عملية للمسارات البحرية الطويلة، وهو ما يمنح أفغانستان فرصة نادرة للتحول إلى ممر ترانزيت مؤثر.
اقتصادياً، يتيح تطوير السكك الحديدية عوائد عبور مستقرة، ويخلق فرص عمل، ويخفض كلفة النقل، ويفتح الباب أمام استثمارات أكبر، خصوصاً الصينية. غير أن هذه الفرص تبقى مشروطة بتأمين التمويل، وبناء الكفاءات الفنية، وضمان إدارة فعالة ومستقرة للمشاريع.
خلاصة القول إن السكك الحديدية في أفغانستان ليست مشروع بنية تحتية فحسب، بل رهاناً على استعادة الدور الجغرافي للبلاد. وإذا نجحت كابل في تحويل هذا الرهان إلى واقع، فإن أفغانستان قد تنتقل من دولة حبيسة ومهمّشة إلى حلقة وصل محورية في الاقتصاد الآسيوي.


