مقالات

معركة الأنفاق وصمود مجاهدي غزة التاريخي

حسّان مجاهد

إنّ أنفاق غزّة، التي يصفها الناس اليوم بالسلاح الاستراتيجي الذي لا يُقهر، ليست مجرّد حفر تحت الأرض، بل هي عالم آخر خفي؛ عالم اختزن جهد المجاهدين الفلسطينيين سنواتٍ طوالاً، وفيه تجسّد صبرهم وجهادهم الصامت. فعلى الرغم من الحصار الخانق، والرقابة الدائمة، والظروف القاسية، حفر هؤلاء الأبطال الأنفاق، ووسّعوها، ثم جعلوها ميداناً لعملياتهم العسكرية.

كان المجاهدون يخرجون فجأة من تحت الأرض، يشنّون هجماتهم، يلحقون بالعدو خسائر فادحة، ويغنمون من عتاده، ثم يختفون من جديد في أعماق الأرض في لحظات. فتحوّل هذا الأسلوب إلى لغزٍ أعجز جيش الاحتلال. وكما كان حفر الخندق في عهد رسول الله ﷺ من أعظم تدابير النصر، صارت أنفاق غزّة طريقة جديدة خفية وقاهرة لكسر جبروت المعتدين.

معركة الجوع والاختناق تحت الأرض

في هذه الأنفاق استُشهد عدد من الشباب، وأُسر بعضهم حين اضطروا للخروج بحثاً عن الماء أو الطعام، وآخرون لا يزال مصيرهم مجهولاً. والعجيب أنّ شباباً في مقتبل العمر يعيشون أيّاماً وليالي تحت الأرض بلا ماء ولا طعام، ومع ذلك يحملون المصحف في أيديهم، يتلون كتاب ربّهم، ويقومون الليل، وترتفع من أعماق الأنفاق بكاءاتهم ونجواهم.

لقد حُرموا حتى من نعمة التنفّس الطبيعي التي يملكها كل إنسان، فكان نقص الأكسجين يضعهم في كل لحظة بين الحياة والموت. لكن نور الإيمان أنار قلوبهم، فجعل تلك الظلمات نوراً، وتلك الضيق أُنساً.

إنّ المجاهد الذي يصارع الاختناق في ظلمة النفق، ويصبر على ليالي الجوع، ويتحمّل غربة الشهور الطويلة، محرومٌ من صوت رفاقه، ومن أخبار أهله، ولا يعرف شيئاً عمّا يجري حوله في المنطقة والعالم،
ومع ذلك لا يشكو، ولا يضعف، ولا يستسلم. بل إنّ الفضل الذي له على الأمّة كلّها عظيم؛ فهو الذي خطّ بدمائه صفحاتٍ مضيئة من تاريخ الإيمان والصبر والثبات.

يا مجاهدي غزّة الأباة!

طوبى لكم. فقد وقفتم أمام عدوٍّ متوحّش وأنتم بأيدٍ شبه خالية. واجهتم خيانة القريب، وحصار العالم، ووُضعتم وحدكم في الميدان، لكنّكم ما وهنتم، وما ضعفتم، وما نكستم راية الإيمان.

لقد نجحتم في هذا الامتحان العسير، فأنرتم آخرتكم، وصدّقتم في محبّة ربّكم.
حفظ الله أحياءكم مرفوعي الرؤوس، ورزق الله شهداءكم القرب منه ونعيم النظر إلى وجهه الكريم. آمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى