أمٌّ صانعةٌ للتاريخ ترحل عن الدنيا الفانية

حسان مجاهد
يقول الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها ** أعددتَ شعبًا طيِّبَ الأعراقِ.
وصدق الشاعر؛ فالأم إذا كانت صالحة ربَّت أبناءها على الخير، وغرست في قلوبهم بذور العلم والصلاح، وببركتها ينتفع بها الأمّة جمعاء، بل البشرية كلها.
ولما بُعث رسول الله ﷺ وبدأ الدعوة وحده، كانت أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقف خلفه، تؤازره بنفسها ومالها. وحين هاجر قائدُ الأمة الأعظم، كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها من أعظم من ناصره وسانده.
وفي التاريخ الإسلامي مرت أمهات عظيمات قدّمن للعالم شخصياتٍ كبارًا؛ حتى إن قيل: «وراء كل رجل عظيم أم عظيمة»، فليس في ذلك مبالغة ولا مجافاة للحقيقة.
ومن أمثلة ذلك: معاوية بن أبي سفيان، والإمام مالك، وسفيان الثوري، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري، ومحمد الفاتح؛ فهؤلاء جميعًا عظماء نشؤوا في أحضان أمهات صالحات مؤمنات، حتى بلغوا مراتبهم السامية.
نعم! وفي أرض أفغانستان الغيورة، ظهرت أيضًا امرأةٌ صانعةٌ للتاريخ، ربَّت في حجرها ذلك البطل العظيم في العصر الحديث، محطِّم الأصنام، المجاهد والمناضل، الذي طهَّر الأرض الأفغانية من الظلم وانعدام الأمن والفساد. وقف وحده في وجه المستعمرين العالميين، ونهض للدفاع عن الدين، وبدأ جهادًا مقدسًا ضد الغزاة؛ فلم يخضع لأحد، ولم يُهزم.
وبفضل العزم الصادق، والإخلاص، والتوكل الراسخ على الله تعالى، ألحق المجاهدون الأفغان هزيمةً مخزيةً بأعظم قوةٍ عظمى في العالم، وأقاموا في ربوع البلاد نظامًا إسلاميًا فريدًا.
وببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة والدة أمير المؤمنين رحمه الله، إذ انتقلت من هذه الدنيا الفانية، ولحقت بابنها المخلص المتعب، الساعي لإقامة النظام الإسلامي.
نسأل الله تعالى أن يتغمد هذه الأم العظيمة الصابرة بواسع رحمته، وأن يشملها بثواب جميع تضحيات وجهادات ابنها، وأن ينوّر قبرها، ويجعل جنة الفردوس مثواها الأخير.



